غزة والصورة وجرائم الحقيقة المرة

اسامة مهرانالخميس, 19 سبتمبر, 2024 - 1:00 ص آخر تحديث :
اسامة مهران

لم يكن بالإمكان أبشع مما كان، هكذا يصف الرواة بالصورة وليس بالكلمة، بالحقيقة المرة وليس بالأمنيات الطيبة، وهكذا يبدد المخلصون لنقل المشاهد المأساوية في غزة أية أحلام وردية ينثرها بايدن على جثث الشهداء في القطاع الأعزل المسكين، مجرد مقال أرسله لي مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة الأهرام المصرية الصديق والمفكر الكبير الدكتور نبيل عبدالفتاح فجر يوم كتابة هذا المقال، ليس من أجل التسويق الممل لرجل أضاف كثيرا للفكر العربي، ولا للانتشار المهين مثلما يفعل بعض الدخلاء على مهنة “الحرف”، إنما ليوضح ويكشف أمام العالم أجمع أن وتيرة القتل تتم أسرع من وتيرة مفاوضات الدوحة والقاهرة وما بينهما، وأن تسفيه السلام هو تماما ما تقوم به إسرائيل من دون رحمة أو هوادة أو مراعاة لأية ظروف إنسانية.
الصورة عند نبيل عبدالفتاح جعلت العالم المشغول بمثليته وجنسه الرابع الجديد ممتعضا ومعربا عن الأسف، ودفعت جثة بايدن المتحركة للانتباه الأخير وهو على بضعة أمتار من الخروج القسري غير المأسوف عليه من بيته غير الأبيض، استيقظ العالم بعد مليون شريد وشهيد وطريد على أرض عربية خلال عشرة شهور فقط، الكل يهدد، والكل يندد، والكل يعرب عن الأسف والأسى، لكن أحدا حتى اللحظة لم ينجح في ردع آلة العدو أو وقفها أو منعها من ارتكاب مزيد من المذابح في فلسطين، لم يستطع كائن من كان أن يشد الرحال باحثا عن ضمير إنساني جديد بعد دفن الضمير الإنساني القديم، لم تكشف الأنباء بعد عن مقابر الإبادة الجماعية، ولم يتحرك الذكاء الاصطناعي لكي يخرج مزيدا من الجثث تحت أنقاض الحياة في غزة مثلما يضع الفئران الملونة وهي تتجول بسعادة غامرة في طبق الشوربة الافتراضي على منصة “التيك توك” الميمونة. 
لم يحاول العلم الحديث أن يعيد تشغيل ماكينته المعطوبة لكي يبحث عن كيفية لملمة أشلاء طفل مزقته مسيرة مشؤومة في إحدى غارات الغدر بغزة.
أصبح العلم للعلم، والفن للفن، وصدقت نبوءة العالم البريطاني ارنست فيشر عندما قال إن كل شيء لن يكون إلا نفسه، فالفن وضرورته يعني أن يكون الفن في حد ذاته فنا لذاته وليس للمجتمع، وأن يصبح القتل في غزة قتلا في حد ذاته قبل أن يكون قتلا بهدف الدفاع عن النفس، أو للقضاء على جماعة إرهابية، أو البحث عن مدنيين أسرى منذ السابع من أكتوبر الماضي، لم تعد المأساة مأساة إلا في حدودها الطبيعية، وداخل جغرافيتها المتواضعة، وفي عمق أهدافها الاستراتيجية المرسومة، هكذا تحاول إسرائيل فصل القطاع عن النخاع، وهكذا يحاول مفكرونا وليس ساستنا أو عسكريونا تصوير المشاهد كلها وكأنها شأن داخلي لا علاقة للعالم به. حتى جاء الصوت مدويا، والصورة صارخة زاعقة لتفضح كل شيء، كل شيء.
صورة نبيل عبدالفتاح، أو صرخة طفل رضيع تحت أنقاض المأساة، أبلغ رد على تنويم الإنسانية باستخدام أحدث وسائل الخداع الاستراتيجي الإسرائيلية، والله فوق الجميع.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

 
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.