تأخر معظم المصريين عن الذهاب لأعمالهم كعادتهم في أيام رمضان، وكانت الدموع قد انسابت من عيونهم وهم يستمعون لقرآن الفجر من مسجد سيدنا الحسين، وانتابتهم نوبة من التطهر بالبكاء وهم يستمعون للشيخ محمود علي البنّا وهو يتلو (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وكلما كرر الآية أجهش المصريون بالبكاء وهم يتضرعون للغني الحميد بأن يرفع الغمة ويزيل الكرب، وكان الوحيد الذي استيقظ في السابعة صباحًا هو الرئيس السادات، ورفع سماعة التليفون يسأل العقيد عبدالرؤوف رضا مدير مكتبه للشئون العسكرية هل عرف العدو؟

وجاء الجواب.. ربما؛ لأن هناك تحركات على الجبهة، وفِي تلك الليلة كان النوم عصيًا على الرئيس؛ لدرجة أنه تناول مهدئًا حتى يستطيع أن يغفو ولو لساعات؛ لأن أمامه يومًا رهيبًا، رهيبًا على حد تعبيره، وهو أطول يوم في تاريخ مصر، وكان قد نقل مقر إقامته لقصر القبة، وطلب من الفريق أول أحمد إسماعيل أن يمر عليه ظهر السبت، وخلال ذلك لم يكن يؤرق السادات سوى سؤال واحد: هل توجه إسرائيل ضربة إجهاض بالطيران للجبهة المصرية؛ خاصة أن مدير المخابرات الإسرائيلية الجنرال زابيرا قد تلقى خبرًا من مصدر سري في الثالثة فجرًا عن أن الحرب ستقع خلال ساعات، وأن هجومًا مصريًا – سوريا سيكون مع آخر ضوء في يوم ٦ أكتوبر، واتصل بالجنرال موشيه ديان، وجولدا مائير، وديفيد آل عازر، وفِي بيت مائير عقدوا اجتماعًا لمجلس الوزراء المصغر لمناقشة السؤال الذي كان يزعج السادات، وكان رد مائير، “لا”، وهو ما كان السادات يتمناه.

بدت نسائم الخريف يوم السبت حانية؛ ولولا رمضان لمر اليوم هادئًا، وخرج المصريون لأعمالهم، وذهب بعضهم لطوابير المجمعات الاستهلاكية، كرياضة لترويض النفس على الصبر، وكانت الحيرة وانتظار المجهول هي ما عكسته صحف الصباح، وأفردت نتائج سبع مباريات في الدوري العام.

وكان الأهلي يتصدر المسابقة كالعادة – بعد فوزه علي المنيا بهدف – بينما تعادل الزمالك بدون أهداف مع الاتحاد، وفاز الترسانة على المنصورة، والبلاستيك على بني سويف، والسويس على القناة.

بينما كانت دور السينما تعرض “شيء من الحب” لنور الشريف، وسهير رمزي، و”شلة المحتالين”، لشويكار، والمهندس، و”خلي بالك من زوزو” لسعاد حسني، وحسين فهمي، ومسرحية “نيام نيام” على مسرح عمر الخيام بالزمالك بطولة فريد شوقي، وتحية كاريوكا، و”علي بابا والأربعين حرامي” لفرقة رضا.

وانشغل الناس بأسعار العمرة في العشر الأواخر من رمضان بـ١٧٢ جنيهًا شاملة كل شيء، ويومها كان سعر الجنيه الذهب ١٤،٥ جنيه، وجرام الذهب عيار ٢١ بمبلغ ١٨١ قرشًا، وسعر التليفزيون ٢٠ بوصة بـ١٥ جنيهًا، ومتر الأرض في المعادي بـ ٨ جنيهات.

وفِي هذا اليوم بدأ عرض مسلسل “أريد هذا الرجل”، وسافرت سعاد حسني، ونجلاء فتحي إلى أديس أبابا لحضور أسبوع التعليم المصري.

وكان مانشيت الأهرام (التوتر يشمل كل الجبهات ويشتد في جبهة قناة السويس)، ونشرت أخبار اليوم مانشيتًا عن طوارئ الفجر؛ في إشارة لتصعيد المقاومة الفلسطينية، ونشرت الجمهورية خبرًا صغيرًا على عمودين عن الاستعدادات على الجبهة.

وعلى الجبهة كان المشهد بالغ الغرابة؛ ففي الضفة الغربية للقناة كانت جماعات من الجنود المصريين يجلسون في حالة استرخاء كامل، وقد تَرَكُوا أسلحتهم وهم يسبحون في القناة – إمعانًا في خداع العدو – بينما جلس المراقبون الإسرائيليون في أبراج المراقبة يتثاءبون من رتابة الحال وركود الموقف منذ سنوات، وكان هذا هو المشهد في الثواني السابقة على الحرب.

وكان السادات قد وصل للمركز رقم ١٠ مقر القيادة الرئيسي للعمليات، مع الفريق أول أحمد إسماعيل، ودخل السادات لقاعة العمليات الساعة الواحدة، وكانت القاعة شحنة من الأعصاب التي اختلط فيها الأمل بالتوتر، وشعر كل من في القاعة أنهم على موعد مع التاريخ.

وعلى مستوى الدولة، سارت الاستعدادات للحرب بوتيرة متزايدة، وتم رفع درجة الاستعداد للدفاع المدني للحالة (ج) قبل بدء الحرب بـ ٢٥ دقيقة، وأخيرًا صدرت الأوامر بوقف حركة الطيران المدني والمساعدات الملاحية، بينما كان خبر زيارة وزير دفاع رومانيا لمصر يوم ٨ أكتوبر، وعمرة الجنود؛ مما أعطى إسرائيل الانطباع بأن أي تحركات محتملة يمكن ردها لمناورات الخريف التي انتهت منذ أيام، وقرار تسريح قوات الاحتياط التي تم استدعاؤها وشاركت فيها.

كانت عجلة الحرب قد دارت منذ الصباح، وبات من المستحيل إيقافها بعد رفع خرائط وثائق المشروع التدريبي الإستراتيجي، وفتحت الخزائن المغلقة، ونشرت الخرائط الحقيقية، وتم ضبط جميع الساعات إلى أقرب ثانية، وتم ضبطها مع القيادات المشتركة في العملية ضمانًا للدقة المتناهية في التنسيق؛ لدرجة أن الضبط المبدئي للساعات الرئيسيّة تم مع إشارة ضبط الوقت من الإذاعة المصرية، ١٢٠٠ يوم ٦ أكتوبر.

وفِي الساعة الثانية كانت الأنظار في قاعة مركز العمليات معلقة على الجزء الخاص بالقوات الجوية، وقد قامت ٢٠٠ طائرة بالعبور فوق القناة على ارتفاع منخفض، وبدأت تنفيذ المهام تترى، وبعد ١٠ دقائق كانت فوهات المدافع تضرب وراء نقاط العدو، وبعد ١٥ دقيقة نزلت القوارب المطاطية في كل منها ٨٠ مقاتلاً، وكانت قوات الصاعقة التي عبرت قبلها بيوم قد تمكنت من تعطيل عمل مواسير اللهب.

وبعد دقائق قامت قوات المهندسين بفتح ثغرات في الساتر الترابي على الضفة الشرقية، وقد تأكد الجميع النجاح في أخطر مراحل الحرب، وبدا جميع من في القيادة في حالة نشوة لا تصدق.

وكانت بطولات وتفاصيل الثواني والساعات بعد ذلك لا تصدق؛ لكي تبدأ مصر عهدًا جديدًا بدأت معالمه من هذا اليوم.