مئات الألاف من البيوت المصرية لا تخلو من وجود شبح الثانوية العامة كل عام، والذي لا يؤرق الطالب فحسب، بل العائلة بأكملها، إلى جانب ما تتكبده الأسرة من مصاريف طوال السنة على الدروس الخصوصية، وما يلزم من تصوير ورق وكتب خارجية ومستلزمات خاصة بالعملية التعليمية التى لا حصر لها .

لكن المسألة لا تتوقف عند هذا وحسب، فالطامة الكبرى تتمثل في الأزمات النفسية التي يقع فيها الطلاب في تلك المرحلة العصيبة والتي تعتبر مفترق طرق لمستقبلهم ، فهي مثل ألعاب الفيديو جيم التى يلعبونها في محاولة واحدة فإما أصبت الهدف وأكملت طريق النجاح أو فشلت وترى الرسالة المرئية «game over»،  وهو ما يدفع  البعض من أبنائنا  إلى الانتحار خشية الوقوع في الفشل.

ولا ننسى أنه في العام الماضي وقعت 7 حالات انتحار على مدار 48 ساعة بمجرد إعلان النتيجة ومعرفة هؤلاء الطلبة برسوبهم، فمنهم من ألقى بنفسه إلى الترعة ليموت غريقًا، ومنهم من تناول سُم فئران، وآخر تناول صبغة شعر، فيما أنقذت العناية الإلهية البعض منهم.

الجو المشحون بالضغوط النفسية التي تخلقها الثانوية العامة، والتي ترسل بظلالها السوداء على الطالب والأسرة معًا، يعد أمرًا مريرًا، مما يجعل السنة الدراسية لا تمر بسلام.

وكانت قد أعلنت وزارة الصحة والسكان، أن 30%، من طلاب الثانوية العامة يعانون من أعراض ومشكلات نفسية منهم 21%، حاولوا الانتحار، و10% منهم جربوا التدخين، معظمهم في سن من ١١ إلى ١٤ عاما، وذلك من خلال دراسة أجرتها على ١٣ ألف طالب بالمراحل الثانوية المختلفة في محافظات القاهرة والمنوفية وأسيوط بواقع ٣٢٠ فصلا.

وأوضحت أن الأعراض النفسية تمثلت في ٨ مشكلات هي أعراض القلق والتوتر بنسبة 17%، والتعليم في الكلام بنسبة 14% وأعراض الاكتئاب 14%وعدم الرضا عن الشكل 9,5% والخجل الاجتماعي 5,6%وأعراف الوسواس الفقري 2,7% وظهر إيذاء الذات بنسبة 19% والتفكير في الانتحار بنسبة 21,7.

جاء ذلك نتيجة دراسة أعدتها الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة عن الصحة النفسية وسوء استخدام المواد المخدرة بين طلبة المدارس الثانوية.

وأكدت خلالها الدكتورة منن عبدالمقصود، رئيس أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بالوزارة، أن عدد الطلاب في المراحل الثانوية بلغ ٨ ملايين و٧٠٠ ألف مواطن منهم ٤.٥ مليون ذكور و٤.٢ مليون إناث.

وأشارت إلى أنه رغم اتساع شريحة الطلاب الذين يعانون من مشكلات نفسية، إلا أن 4.8% منهم فقط يتابعون حالتهم مع أطباء نفسيين، و3% مع أخصائي اجتماعي بالمدرسة، و2.5% مع استشاريين لعلم النفس، و2.1% يستشيرون صيادلة، و6.5% منهم لرجال الدين، بينما يكتفي 23.3% منهم بـ”الفضفضة مع صديق”، ويحتفظ 60.5% بينهم بمشكلاتهم النفسية لأنفسهم دون اللجوء إلى أحد.

وكانت وزارة التربية والتعليم في بيان سابق لها في مطلع شهر يناير من هذا العام، قد أكدت أن نحو 580 ألف طالب وطالبة سيلتحقون بامتحانات الثانوية العامة لهذا العام.

كوابيس ومتاهات نفسية

فريدة محمد طالبة بالصف الثالث الثانوي تقول، لن يصدق أحد إذا عرف أنني أخشى من “بعبع” الثانوية العامة منذ المرحلة الإعدادية لقسوة ما كنت أسمعه، من خلال أقاربي وأصدقائي عن صعوبتها.

وتضيف، حلم حياتي أن أحصل على مجموع درجات يلحقني بكلية صيدلة ولكن مع خوفي الشديد لا أذاكر بالقدر الكافي وأهرب بشكل دائم، إلى الموبايل لأسمع أغاني وأشاهد أفلام دون علم أسرتي، مما يشعرني ذلك بالأسف والندم، لافتة إلى أن خوفها من مرور الوقت دون مذاكرة يجعلها تحلم بكوابيس وتنام ساعات نوم متقطعة وتصحو في الصباح مرهقة وخاملة للغاية.

محمد عبد اللطيف، يشير إلى أنه يهرب كثيرًا من المنزل بحجة أنه سيذاكر مع أصدقائه، ولكنه يذهب إلى المقهى للجلوس بالساعات فاتحًا الكتاب لا يقرأ فيه كلمة واحدة، ثم يعود أدراجه إلى المنزل حزينًا شاعرًا بالندم.

ويلفت إلى أنه أصبح أكثر عصبية، وكثيرًا ما يتشاجر مع أفراد أسرته، مشيرًا إلى أن أحد أصدقائه نصحه بتناول الترامادول حتى يعطيه قوة ونشاط للمذاكرة ليلًا، ولكن والده قد عرف واكتشف الأمر سريعًا لأنه صيدلي، ومنع عنه المصروف وكان يرسل أخاه الأكبر معه إلى الدروس.

“بنتي عندها اكتئاب لا تأكل بشكل جيد وتعاني من الأرق” بهذه الجملة افتتحت حديثها منال الطويل وهي أم لفتاة في الثانوية العامة، مضيفة تأخذ ابنتي الدروس الخصوصية في كل المواد الدراسية ولا نحرمها من شئ حيث نوفر لها غرفة هادئة ومرتبة، ولا يزعجها أحد، ومع ذلك باتت في الشهور الأخيرة “مرعوبة وخايفة من الامتحانات.

تعقيد المناهج الدراسية

ويرى كمال مغيث، الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن المشاكل النفسية التي يعاني منها طلبة الثانوية العامة ترجع لعدة عوامل معقدة، منها صعوبة المناهج وكذلك الضغط النفسي والمجتمعي الواقع على الطالب والأسرة في آن واحد نتيجة للظروف المادية والمعيشية الصعبة، وما تحتاجه الدروس الخصوصية من مبالغ كبيرة، يصعب على البعض توفيرها.

ويشير مغيث، إلى أن العملية التعليمية كلها تدور في جو نفسي سيئ، حيث تترسخ صورة ذهنية عن “بعبع” الثانوية العامة يخيف ويقلق الأسرة والطلبة بمجرد ذكر اسمها، لافتًا إلى أن هذا من شأنه إصابة الطلبة بالاكتئاب والتوتر والهزيان، وقلة التركيز.

ويرجع مغيث العناصر المحبطة التي تصيب الطالب هي كون التعليم بلا قيمة حقيقية، وأصبح فقط سببًا للوجاهة الاجتماعية، موضحًا أن سبب ذلك هو فقدان وقطع حلقة الوصل بين التعليم وسوق العمل مما أدى إلى زيادة طابور البطالة.

لذا ينصح خبير المناهج، بأهمية إعادة النظر في نظام الثانوية العامة، لأنها جزء من منظومة تعليمية كبيرة، تحتاج إلى الإصلاح، وعدم الاعتماد على الحفظ والتلقين، والحرص على الفهم والتحليل وقوة الملاحظة.

الدراما أحد الأسباب

ويصف الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي بالأكاديمية الطبية، النسب التي ذكرتها وزارة الصحة بالمقلقة، مقارنة بالنسب العالمية، مرجعًا أحد الأسباب إلى دور الإعلام والدراما اللذين يركزان على سلبيات الثانوية العامة وتضخيمها، هذا بالإضافة إلي تناول المسلسلات لتعاطي وتجارة المخدرات التي لها تأثير واضح في سن المراهقة.

ويوضح فرويز أنه ببلوغ سن المراهقة تكون الشخصية شديدة التأثر بالمؤثرات النفسية والضغوط الكثيرة، والتي يمكن أن تدفعه دفعا للانتحار.

المشاكل الأسرية

تٌرجع الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع، المعاناة النفسية التي يقع في إثرها طلبة الثانوية العامة، إلى الضغوط الأسرية، ونشوب المشاجرات بين الوالدين، ولاسيما بين الأبناء مما يجعلهم تحت تأثير نفسي سئ يؤثر سلبًا على الحالة النفسية لهؤلاء الطلبة وعدم استقرارهم، وبالتالي عدم تحصيلهم لدروسهم في جو نفسي إيجابي.

وتتفق خضر مع فرويز في كون أن الإعلام يتحمل جانبًا من الضغوط التى يقع الطالب تحت طائلتها، فضلًا عن ردود أفعال أولياء الأمور حول أهمية حصول أبناءهم على مجموع درجات كبير يدخلهم كليات القمة، مما يمثل ضغطًا كبيرًا فى تلك المرحلة على الطالب، مدللة على ذلك بلجوء عدد ليس بالقليل إلى الأطباء النفسيين لمعاناتهم من القلق والتوتر، مما يضطر الأطباء إلى اللجوء للأدوية لمعالجة المشكلة، مشيرة إلى ضرورة عدم اللجوء للمنبهات، واللجوء والتقرب من الله لبث الشعور بالطمائنينة والراحة.

غياب دور المدرسة

وفي السياق ذاته، توضح الدكتورة بثينة عبد الرؤوف الخبير التربوى، أن هناك مفاهيم عديدة خاطئة لدى مجتمعنا، ومنها أن الثانوية العامة هى السنة الدراسية التى تحدد مستقبل الطالب، وهى المرحلة الفاصلة، وينعكس ذلك على أذهان الأسر المصرية التى توليها اهتمامًا مبالغًا فيه، حيث يتضح ذلك من خلال بعض الكلمات التى ترددها الأمهات بشكل دائم والتى تعطى الموضوع برمته أكبر من حجمه، مثل “ذاكر هتفشل”، “لازم تجيب مجموع زي فلان أو فلانة”.

وتضيف عبد الرؤوف أن الاتفاق المبكرعلى الدروس الخصوصية وتكدس المراكز التعليمية ثقافة خاطئة، مشيرة إلى اعتماد الطالب على الدروس مع الضغط النفسي من الأبوين نتيجة عزوف الطلبة عن الذهاب إلى المدرسة وذلك لتعارض مواعيد تلك الدروس مع مواعيد المدرسة، جعل الأمر برمته غير متسقًا ويبعث على الضيق لدى الطالب.

وتنصح عبد الرؤوف أولياء الأمور بإعطاء فرصة للمدرسة وذلك بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، مع الاهتمام بالأنشطة وتفعيل دورها الذى سوف يكون له أثر نفسي وتربوى على الطلبة وحالتهم النفسية.